الاربعاء 2021/04/14 الساعة 10:09 AM

مخاطر الإغراق السياسي

الأحد, 04 أبريل, 2021



على وقع التحرك المثابر للمبعوث الأمريكي إلى اليمن عبر مسار يبدأ من واشنطن وينتهي بمسقط ويمر عبر الرياض، تجلت بعض من أخطر ملامح هذا التحرك الذي يهدف إلى تكييف الوضع السياسي في اليمن وفق شروط اللاعبين السيئين الإقليميين والمحليين، فيما ينحسر دور الشرعية على نحو تدريجي ومقصود.

فالمبعوث الأمريكي، ووفقاً لإفادة بعض السياسيين المتصلين بتحركاته، بدا مطمئنا من جانب السلطة الشرعية ومن إمكانية الحصول على مواقفتها على أية صيغة للحل، فيما يكرس معظم جهده في محاولة جلب الحوثيين إلى مربع الموافقة على المبادرة السعودية مقابل بعض التنازلات التي يبحثون عنها.

مؤشر يدعو إلى القلق، ويضعنا أمام حقيقة مرة، فبين سلطة شرعية ضعيفة ولاعبين سيئين يكاد المشروع الوطني أن يضيع، في ظل غياب الفاعلين الوطنيين الحقيقيين عن القيام بدورهم الذي نحتاجه أكثر من أي وقت مضى ليعزز ثقة الشعب اليمني بالمستقبل ودفعه إلى تحمل تبعات المواجهة الطويلة الأمد مع أعداء الداخل والخارج.

على مدى العقد الماضي من زمن الأزمة والحرب في اليمن، جرى التركيز من قبل الفاعلين الإقليميين والدوليين على مسألة تجفيف الساحة اليمنية من الأحزاب، عبر تجريف نفوذ الأحزاب وتأثيرها، وإبقائها مجرد هياكل بروتوكولية لتمرير المخططات المعدة سلفاً لحسم الأزمة والصراع ومصادرة النتائج السياسية والاستراتيجية لصالح هؤلاء الفاعلين.

 

وللأسف اضطرت كبريات الأحزاب أن تسلم قيادها لإرادة التحالف تفادياً للاستهداف، والنتيجة أن هذه الأحزاب تحولت إلى شاهد فاقد للحيلة على مخطط تفتيت اليمن، دون أن تسلم من الاستهداف الذي يطال جسدها التنظيمي ومراكز قوتها الميدانية التي تأتي عليها معركة الاستنزاف المتقنة؛ في جبهات وضعت جميع المتصارعين أمام اختبار وجودي صعب، ووضعت القوى الوطنية على حافة الهاوية.

لكن الأخطر من التجريف هو الإغراق السياسي الذي نراه في التوالد المتسارع للتيارات السياسية التي ترمي في معظمها إلى إعادة ترتيب الأدوار وتأطير المواقف السياسية المتناثرة، وهدفها ملء الفراغ الذي خلفه الانسحاب الفاضح للسلطة الشرعية من ميدان المواجهة مع أعداء الوطن والجمهورية، والمتآمرين على وحدة اليمن ودولته وكيانه القانوني.

يتكئ البعض من الساعين نحو تخليق تيارات سياسية على إرث من النفوذ المختلف عليه وعلى إمكانية إعادة توليد القوة عبر اصطفافات هشة ومنابر تعمل عن بعد، وفق منطق المواجهة السياسية مع الانقلابيين. وهذا وحده لا يكفي إن لم تتوفر عوامل أخرى لتماسك القوة السياسية التي يمكن لليمنيين أن يراهنوا عليها، وأهمها وفي مقدمتها الالتحام الحقيقي في الميدان وفي المعركة الدائرة مع العدو، والتضحية التي ليس لها حدود.

ومثلما فعلت الإمارات في عدن عندما دفعت بالمجلس الانتقالي ليلعب دور السلطة الموازية للشرعية في العاصمة السياسية المؤقتة عدن، عملت الرياض مع قوات الساحل الغربي، من خلال الإيعاز للعميد طارق بتأسيس مكتب سياسي لقواته؛ يكون مجال نفوذه تهامة والساحل الغربي، والتصرف كقوة أمر واقع في هذا النطاق الجغرافي تضرب الوحدة الجغرافية لمحافظات وازنة مثل تعز والحديدة.

وهذا يفسر كيف جاءت ولادة المكتب السياسي في مدينة المخا على عجل، كردة فعل على محاولات تجري في المهجر لإطلاق تيارات سياسية، علماً بأن بعض التيارات التي جرى الإعلان عنها من أوروبا، ربما تأتي في سياق الإغراق السياسي الذي يقلل من أهمية أي فعل حقيقي يفترض أن يملأ الفراغ، وأن يحدث فارقاً حقيقياً في الساحة الوطنية.

إن أهم ما يحتاجه اليمن في هذه المرحلة هو الاصطفاف السياسي ضمن بنية سياسية حركية مرحلية تتأسس على الفعل المقاوم لمشاريع هدم الدولة اليمنية، تتجاوز التعقيدات الهيكلية والتنظيمية للأحزاب وحمولتها السياسية الثقيلة. 

وتحرك في هذا الاتجاه لا ينبغي أن يتصادم، وليست هناك ضرورة للتصادم مع تلك الأحزاب والتنظيمات، بل التكامل المبني على وحدة الهدف معها، بناء على تقدير خطورة المرحلة التي تزداد مع نفوذ وتأثير قوى الأمر الواقع ذات الأجندات السياسية الطائفية والانفصالية، والشمولية، التي بُنيت في خضم احتدام الفعل العسكري على الساحة اليمنية بشروط وأولويات قطبي التحالف: السعودية والإمارات للأسف الشديد.

المزيد من ياسين التميمي