الثلاثاء 2026/02/03 الساعة 08:44 PM

انتهاكات ممنهجة...كيف حوّل المجلس الانتقالي المؤسسات الإعلامية إلى أدوات قسرية؟

الثلاثاء, 03 فبراير, 2026 - 06:58 مساءً
انتهاكات ممنهجة...كيف حوّل المجلس الانتقالي المؤسسات الإعلامية إلى أدوات قسرية؟
المهرة خبور -  المهرية نت


 

منذ سيطرة المجلس الانتقالي المنحل على العاصمة المؤقتة عدن عام 2019م، بدعمٍ من دولة الإمارات، تصاعدت الانتهاكات بحق الصحفيين والمؤسسات الإعلامية المعارضة لمشروعه الانفصالي.

وتمثّلت هذه الانتهاكات في اقتحام مقرات المؤسسات الإعلامية الرسمية والمستقلة، والعبث بمحتوياتها، والاعتداء على طواقمها، والسطو عليها بالقوة، وتحويلها إلى مؤسسات تابعة له بالولاء، إلى جانب إقصاء الكوادر السابقة وإحلال عناصر تابعة أو موالية له مكانها.

مؤسسات رسمية تحت الاقتحام

وفيما يلي أبرز المحطات التاريخية لانتهاكات المجلس الانتقالي تجاه المؤسسات والمنشآت الإعلامية:

في أغسطس/آب 2019، اقتحمت مليشيات المجلس الانتقالي مؤسسة «14 أكتوبر» للطباعة والنشر، وفرضت سيطرتها على صحيفة «14 أكتوبر» الحكومية، واعتبرتها مؤسسة تابعة لها.

وفي 4 يونيو/حزيران 2021، اقتحمت عناصر مسلحة مقر وكالة الأنباء اليمنية «سبأ» في عدن، وقامت بتغيير اسمها إلى «وكالة أنباء عدن»، ووضع لافتة بالاسم الجديد على المقر الحكومي، في خطوة قوبلت بانتقادات واسعة. وتبع ذلك، بعد يوم، اقتحام مسلحين تابعين للمجلس مبنى صحيفة «الثورة» في المدينة نفسها.

وفي مساء الثلاثاء 28 فبراير/شباط 2023، عند الساعة الحادية عشرة ليلًا، اقتحمت مليشيا الانتقالي مقر نقابة الصحفيين اليمنيين في مدينة عدن، وقامت بنزع لافتة النقابة الرسمية، واستبدالها بلافتة ما يُسمّى «نقابة الصحفيين والإعلاميين الجنوبيين» التابعة للمجلس.

ويوم الأحد 14 سبتمبر/أيلول 2025، أقدمت مليشيات الانتقالي على اقتحام مكتب نائب وزير الإعلام حسين باسليم في مدينة عدن، وقامت بتسليمه لأحد عناصرها، تنفيذًا لقرار تعيين وُصف بغير الشرعي، صادر عن رئيس المجلس الانتقالي عيدروس الزبيدي.

وعلى الرغم من إعلان حل المجلس الانتقالي في 9 يناير/كانون الثاني الجاري، لا تزال القوات التابعة له تمارس الانتهاكات والاقتحامات بحق المؤسسات الإعلامية المعارضة له بصورة متواصلة.

وتُوِّجت هذه السلسلة من الاعتداءات، يوم أمس، باقتحام عناصر مسلحة تابعة للمجلس مبنى صحيفة «عدن الغد»، ونهب محتوياته، والاعتداء على عدد من موظفيه، في تصعيد خطير يستهدف الصحافة وحرية التعبير.

وقد قوبلت هذه الأعمال بإدانات واسعة واستنكار شديد من منظمات حقوقية محلية ودولية، اعتبرتها انتهاكات جسيمة لحرية الرأي والتعبير، وتقويضًا للعمل الصحفي في المناطق الخاضعة لسيطرة المجلس الانتقالي.

اعتداء صريح على حرية التعبير

بهذا الشأن قال توفيق الحميدي، رئيس منظمة سام للحقوق والحريات، إن تاريخ اقتحام واعتداء المجلس الانتقالي على المؤسسات الصحفية والإعلامية حافل بعدد كبير من الانتهاكات، فقد شهد جنوب اليمن سلسلة من الحوادث التي استهدفت العمل الإعلامي، شملت اعتقال صحفيين، والاستيلاء على مقرات مؤسسات إعلامية، بما فيها مقر نقابة الصحفيين اليمنيين، إضافة إلى منع ممارسة العمل الصحفي إلا بإذن من الجهات الإعلامية التابعة للمجلس الانتقالي.

وأوضح الحميدي، في تصريح لـ«المهرية نت»، أن «هذه الممارسات أسهمت في التضييق على الجانب الصحفي بشكل واضح، خصوصًا في ظل هشاشة الوضع الأمني وتداخل السلطات، وقد كانت آخر هذه الانتهاكات اقتحام مقر صحيفة “عدن الغد” والاعتداء على موظفيها وتحطيم بعض محتوياتها، عقب حملات تحريض سبقت الواقعة، فضلًا عن تسجيل حالات إغلاق قنوات محلية، ومنع صحفيين من العمل أو التنقل».

وأضاف: «رصدت منظمات حقوقية تهديداتٍ مباشرة طالت عددًا من الصحفيين على خلفية تغطيات إعلامية اعتُبرت “مخالفة للتوجه العام”، وهذا النمط يعكس محاولات ممنهجة لفرض بيئة إعلامية أحادية»، مؤكدًا أن «هذه الوقائع لا يمكن التعامل معها كحوادث معزولة، بل يجب قراءتها في سياق أوسع من التضييق على المجال العام كلما اشتدت حالة الاستقطاب السياسي والعسكري».

وفيما يتعلق بالنظرة الحقوقية لهذه الممارسات، أكد الحميدي أن المنظمات الحقوقية تنظر إليها بوصفها انتهاكات خطيرة لحرية الرأي والتعبير وتضييقًا مباشرًا على الحريات الصحفية، لما تمثله من مساس بأحد أهم أعمدة أي مجتمع يسعى للاستقرار، وهو الحرية.

وأشار إلى أن القانون اليمني يكفل حرية الصحافة ويحظر الاعتداء على المؤسسات الإعلامية خارج إطار القضاء، كما تؤكد المادة (19) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على حق كل إنسان في اعتناق الآراء دون مضايقة، وحقه في تلقي المعلومات ونقلها.

اتساع دائرة الخوف

وتابع الحميدي أن «لهذه الانتهاكات أثرًا مباشرًا يتمثل في خلق مناخ من الخوف يدفع كثيرًا من الصحفيين إلى التوقف عن العمل أو ممارسته في ظل مخاطر كبيرة؛ إذ يصبح تجنب الأذى أولوية على حساب المهنية، وبالتالي سيفقد المجتمع أحد أهم المدافعين عن قضاياه».

ولفت الحميدي إلى أن المتنفذين يسعون إلى إسكات الصوت الصحفي خشية كشف ممارساتهم، ما يؤدي إلى غياب المعلومات الموثوقة، وانتشار الشائعات، وضعف النقاش العام.

وشدد على أن حماية الصحفيين لا تمثل دفاعًا عن فئة مهنية فحسب، بل هي دفاع عن حق المجتمع في المعرفة والمشاركة في رسم مستقبله، مؤكدًا أن حماية حرية الإعلام يجب أن تكون أولوية لا تحتمل التأجيل لدى أي حكومة قادمة، خصوصًا في البيئات الملتهبة مثل عدن وصنعاء وغيرها.

واختتم الحميدي تصريحه بالتأكيد على ضرورة التزام جميع الأطراف بعدم استهداف المؤسسات الصحفية، وفتح تحقيقات شفافة في أي اعتداءات تطالها، وضمان بيئة آمنة للعمل الإعلامي بعيدًا عن الضغوط السياسية أو العسكرية، معتبرًا أن الصحافة الحرة ليست خصمًا للدولة، بل شريك أساسي في تعزيز المساءلة ومنع الانتهاكات، وأن أي مشروع للاستقرار أو إعادة بناء الدولة سيظل هشًا ما لم يُصن حق الكلمة وتُحترم كرامة من يحملونها.

من يحمي الصحافة في عدن؟

في السياق، قال الصحفي أنيس منصور إن «تاريخ المجلس الانتقالي في الاعتداء على المؤسسات الصحفية والإعلامية تأريخ حافل بالانتهاكات والجرائم المتعددة؛ فقد نفذ المجلس سلسلة من الهجمات على عدد من المؤسسات الإعلامية، من بينها وكالة الأنباء اليمنية».

وأضاف منصور، في تصريح لـ«المهرية نت»، أن «المجلس الانتقالي سيطر على مباني عدد من الصحف، وأقصى الكثير من الصحفيين، واعتقل وطرد العديد منهم، إلى جانب اقتحام مقر نقابة الصحفيين اليمنيين والسيطرة عليه، وتشكيل ما يُسمى بنقابة الصحفيين الجنوبيين بطريقة مخالفة للدستور والقانون».

وأوضح أن الانتقالي «عمل كذلك على منع العديد من القنوات الإعلامية من مزاولة عملها، والتضييق على مكاتبها تحت ذرائع قانونية، في إطار سياسة ممنهجة لتكميم الأفواه والتضييق على حرية التعبير».

وبيّن منصور أن الهدف الحقيقي من هذه الممارسات يتمثل في توحيد الخطاب الإعلامي بما يخدم توجهات الانتقالي، فهو لا يريد أن يعلو صوت فوق صوته أو صوت مؤيديه، كما أنه لا يؤمن بمبدأ الديمقراطية أو حق الرأي والرأي الآخر، واصفًا إياه بأنه «كيان تسلطي يرى في الكلمة رصاصة موجهة إلى صدره، بسبب ممارساته القائمة على البطش والتنكيل».

وأشار منصور إلى أن الانتهاكات التي قامت بها عناصر الانتقالي أثّرت بشكل واضح على واقع العمل الصحفي، وأسهمت في عزل المجلس الانتقالي محليًا وإعلاميًا، لافتًا إلى أن ما جرى مؤخرًا من اقتحام صحيفة «عدن الغد» يُعد نموذجًا لسلسلة الجرائم التي مارسها المجلس بحق الإعلام منذ تأسيسه، وإن كانت الأحداث الأخيرة قد سلطت الضوء بشكل أكبر على هذه الممارسات.

واختتم منصور تصريحه بالتأكيد على الحاجة الملحّة لعودة الدولة بكل مؤسساتها ومعانيها، بعيدًا عن هيمنة المليشيات، مشددًا على رفض ما وصفه بـ«تدوير النفايات»، في إشارة إلى محاولات إعادة إنتاج الأدوات نفسها من عناصر الانتقالي وإعادتها إلى المشهد بصيغ جديدة.

انتهاكات وجرائم متواصلة

بدوره، قال الصحفي شكري سلطان، رئيس تحرير موقع «عدن الخبر»، إن كل ما عمله الانتقالي منذ بداية تأسيسه عبارة عن اعتداءات مستمرة وسلب ونهب متواصل باسم قضية بريئة منه براءة الذئب من دم ابن يعقوب، وللأسف الشديد وجد دعمًا إقليميًا ساعده في ارتكاب الجرائم.

وأوضح سلطان، في تصريحٍ لـ«المهرية نت»، أن «الاعتداء على صحيفة “عدن الغد” لم يكن الأول ولن يكون الأخير لأسباب كثيرة، أهمها أن المملكة العربية السعودية تعتمد على نظرية “العصا والجزرة”، ففي حضرموت استخدمت مع الانتقالي العصا، بينما في عدن، وإلى الآن، هي مستمرة في استخدام الجزرة، وهذا يضر بمصلحتها أولًا ويعمل على إضاعة مجهودها؛ لأن الطرف الآخر ما يزال يتمادى ويظن أنه الحلقة الأقوى».

ولفت إلى أن «استهداف المجلس الانتقالي للمؤسسات الصحفية يهدف إلى إخراس الأصوات، بمعنى أن الانتقالي يقول للإعلام: إما أن تكون معنا أو أنت ضدنا، ودمك ومالك وحلالك حلال لنا نعبث به كيف نشاء».

وأكد سلطان أن أسلوب الاحتضان الذي تمارسه السعودية مع الانتقالي هو ما يجعله يتمادى بهذا الشكل، وهو ما يدفعه للعبث بكل تلك الجرأة والهمجية رغم انحلاله.

وطالب سلطان التحالف العربي بحماية المؤسسات الصحفية والصحفيين بشتى الطرق، مؤكدًا أن السعودية قادرة على حماية الصحفيين والمواقع الصحفية والإعلام والمباني التابعة للصحفيين من أي اعتداءات إذا كانت جادة في الضرب بيد من حديد لكل من تسول له نفسه الاعتداء على صحفي أو مكتب للصحافة أو مبنى، كما حدث في صحيفة «عدن الغد».

واعتبر سلطان الاعتداء على صحيفة «عدن الغد» جريمة إرهابية يجب أن يُحاسب الفاعل أيًا كان، وعلى السعودية أن تتحمل مسؤولياتها أمام ما يجري، معتبرًا أن التلويح بالجزرة فقط مسار خاطئ.

ولفت إلى أن ما حدث في حضرموت كان درسًا ويجب أن يُتعلّم في عدن، وإلا فنحن نعيش مرحلة صعبة ومرحلة انفلات كبير، لا «درع الوطن» نفعنا ولا «العمالقة» سينفعونا ما لم تكن هناك دولة حقيقية، وهو ما لا يوجد في الوقت الحالي.

 

المصدر: المهرية نت


اقراء ايضاً