السبت 2020/10/24 الساعة 12:03 AM

هل تتشكل قيادة يمنية بديلة لمواجهة الأجندة التخريبية للتحالف؟

الأحد, 27 سبتمبر, 2020


ما أن يُطل مسؤولٌ في السلطة الشرعية، متحدثاً بمنسوبٍ عال من الصراحة عن التشوهات الخطيرة في بنيان التحالف القائم بين هذه السلطة وبين التحالف السعودي الإماراتي، إلا وانصرف الذهن إلى تلك الثلة من الساسة والقادة اليمنيين المخلصين الذين ما فتئوا يعملون بصمت ودأب من أجل إعادة بث روح المقاومة؛ أمام تكالب التهديدات وتضييق الخناق الذي يمارس بشكل مقصود من جانب دولتي التحالف، للحيلولة دون تبلور موقف وطني يتمتع بالاستقلالية ويعري العبث الذي يتورط فيه هذا التحالف في الساحة اليمنية.

اللقاء التلفزيوني المهم الذي أجرته قناة الجزيرة مساء الأربعاء الماضي مع نائب رئيس مجلس النواب عبد العزيز جباري، ضمن برنامجها الأسبوعي "بلا حدود"، بقدر ما نجح في إنعاش الأمل لدى قطاع واسع من اليمنيين، فإنه كذلك صرف الاهتمام نحو ما يتعين عمله من أجل البناء على هذا الموقف، لا تركه مجردَ موقفٍ عابرٍ في خضم الأحداث التي تثقل الذاكرة وتفقدها القدرة على تجميع الدلالات، وتعميق الأثر الإيجابي لموقف جباري وغيره من الشخصيات الوطنية.

لقد لامس الرجل قضايا طالما سكت عنها زملاؤه في البرلمان والحكومة، وفي مقدمتها سلوك السفير السعودي محمد آل جابر، الذي وصفه بالأرعن، والذي أصبح المتصرف المطلق في سياسات السلطة الشرعية وشؤونها، في وقت يمارس فيه هذا السفير مهامه الدبلوماسبة واسعة النطاق من الرياض وليس من داخل اليمن، ليدلل بذلك على فشل المهمة العسكرية لبلاده.

وفي المقابل، تواصل البعثة الدبلوماسية الإيرانية مهامها غير القانونية، من العاصمة اليمنية صنعاء، رغم أن العلاقة الدبلوماسية مقطوعة بين البلدين، وفي وقت لا يكف فيه الطيران السعودي عن التحليق في سماء المدينة بحثاً عن أهداف تزداد عبثية مع طول أمد الحرب.

ما صدر عن نائب رئيس مجلس النواب في مقابلته مع الجزيرة مهم للغاية لكونه يوثق لهذه المرحلة المهمة من تاريخ البلاد، ويعري السلوك العبثي للتحالف، الذي يتخفى خلف خطاب يضج بالادعاءات والأكاذيب السعودية والإماراتية عن دعم الشرعية والحرص على اليمن، وعلى تضخيم الدور الإيراني، إلى حد أن المعركة باتت مواجهة خالصة مع طهران لا وسيلة لتثبثت استحققات أساسية ينتظرها الشعب اليمني، ومنها استعادة الدولة وإعادة اليمنيين إلى المسار الانتقالي الديمقراطي.

في الحقيقة هناك العشرات بل المئات من الشخصيات الوطنية والقيادات التي تعمل في إطار الشرعية، وتتقاسم الموقف الشجاع ذاته مع النائب عبد العزيز جباري، وتتحين الفرصة لتغيير مسار العمل الوطني من حالة الارتهان الحالية للرياض وأبو ظبي؛ إلى تبني مشروع وطني لا يحيد عن الشرعية ولا يتصادم مع صلاحياتها، بقدر ما يؤمن مساراً ثانياً لهذه الشرعية.

أقول ذلك وأنا على يقين بأن المواقف السلبية ستستمر في الصدور عن قيادة الشرعية المرتهنة في الرياض، والتي تخضع لإملاءات من يتحكمون بحركاتها وسكناتها ويراقبون قنوات اتصالاتها، وحتى الفضاء الافتراضي الذي تؤمنه هواتفها النقالة الذكية.

ومن هنا تبرز أهمية الجهود التي بذلها طيلة السنوات الماضية قادة بارزون في العمل الوطني بعيداً عن الأضواء، واستطاعوا بها أن يحوّلوا الآمال والطموحات والتوقعات إلى برنامج عمل يؤتي أكله اليوم في ما نراه من تحولات جوهرية في المواقف الناقدة، والأطروحات الشجاعة التي تتم من خارج صندوق الشرعية والتحالف، تماماً كتلك التي عبّر عنها النائب جباري وأعضاء بارزون آخرون في الحكومة، وأحيوا من خلالها الأمل بإمكانية الخروج من الشرنقة الضيقة التي صممها التحالف السعودي الإماراتي لليمنيين لكي يكون منتهى أملهم في نهاية معركة طويلة هو الخروج من هذه الشرنقة فقط، ولو إلى كانتونات وسيادة منتهكة.

أذكر من هؤلاء القادة الشيخ حمود المخلافي، الذي يعرف الجميع دوره كقائد للمقاومة في محافظة تعز، الذي غيَّرَ هناك مجرى الأحداث وأفشل واحدة من أكبر الحملات العسكرية لتحالف الانقلاب الذي استخدم إمكانيات اثني عشر لواء عسكرياً كانوا يطوقون مدينة تعز من كل الجهات، والمرتفعات، إلى جانب شبكة من الولاءات الاجتماعية، ومع ذلك استطاع هذا القائد قبل خمسة أعوام ونصف، أن يحرك كبرياء هذه المحافظة وإرادتها، وأن يشق خطاً عنيداً من المقاومة التي كادت أن تحقق أهدافها في تحرير تعز كاملة، لولا السلوك الغادر للتحالف.

لقد تجاوز الشيخ حمود المخلافي تحديات كثيرة وضعت أمام مهمته القيادية الميدانية فلم يفقد تأثيره الميداني، بل طوره ووسع نطاقه ليصبح بحجم اليمن تقريباً، في سياق مهام سياسية واستراتيجية ذات طابع مركزي، لطالما حرص على أن يتجنب توظيفها في أي شكل من أشكال الاستعراض الشخصي.

لكن مهمة الشيخ المخلافي وغيره من القادة المخلصين، رغم الشوط الكبير الذي قطعته، لا تزال تبتعد مسافةً لا بأس بها عن الهدف النهائي. فالمسار الموازي الذي يمضي فيه العشرات من قادة الشرعية، ينبغي أن ينتهي إلى بنيان قيادي متماسك يكون بوسعه ترميم الصدوع الخطيرة التي أصابت السلطة الشرعية في هذه المرحلة، وإعانتها على استعادة دورها، ويكون لديه كذلك الاستعداد الكامل لفرز قيادة بديلة، إذا ما بلغت الأمور النقطة الحرجة، بما يعنيه ذلك من احتمالية المواجهة العسكرية والسياسية مع التحالف السعودي الإماراتي نفسه، علما بأن هذا التحالف أعد سلسلة من التدابير المقابلة لاحتواء مسار منفصل كهذا، متوسلاً أسلوب الهدم والتسقيط غير النبيلين، لأدوار القيادات الوطنية التي تمضي في هذا المسار، متوخية ضمن أهدافها العديدة، إعادة تصحيح مسار التدخل العسكري للتحالف.

ويكفي أن نعرف أن من أهداف إعادة تشكيل الحكومة طبقاً لاتفاق الرياض، هو استبعاد هذه القيادات من مواقع القرار في السلطة الشرعية والحكومة. لذا لن يتورع في النيل من ممن يقف ضد مخططاته.

فقد سبق أن ظهر السفير آل جابر (وهو لا يقدح من رأسه)، ناضحاً بمزاعم تفتقد إلى اللياقة والأدب والمروءة، وتتصل تحديداً بظروف خروج مستشار رئيس الجمهورية للشؤون العسكرية والأمنية (نائب رئيس الجمهورية حالياً) اللواء (الفريق حالياً) علي محسن، من صنعاء عام 2014 إلى السعودية بعد إسقاطها بيد الحوثيين، دون سبب واضح.

لقد تورط السفير مرغماً على ما يبدو في تسقيطٍ هدفُهُ هدمُ القيمة المعنوية لنائب رئيس الدولة المتواجد في ضيافة القيادة السعودية، والحيلولة دون استمراره في أدوار مقبلة لن تكون إلا في صالح استعادة الدولة اليمنية ونظامها الجمهوري.

المزيد من ياسين التميمي