الإثنين 2020/02/24 الساعة 10:53 PM

أحببتها لو أنها تعلم

الاربعاء, 29 يناير, 2020

بالصدفة جلست بالقرب منه في بوابة المغادرة كلانا منتظر نفس الرحلة كان منهمكا في قراءة كتاب غُلف بغلاف خارجيا من ورق ابيض كتب عليه أحببتها لو انها تعلم ذيل بإقتباس للكاتب الروسي دوستويفسكي "كيفَ احتملتَ فكرةَ أنَّكَ وضعتَ ثغرةً مؤلمةً في صدرِ أحدهم ترافقهُ طوالَ حياته، ومضيتَ هكَذا دونَ أن تكترثَ لِشَيء" لفت انتباهي العنوان و ليس الاقتباس الذي يوحي بمعركة عاطفية هزم فيها من كان يجب أن يكون الأقوى حينما سلم قلبه ووقع اتفاقية حب متبادل مع طرف لا يراعي في الحب اتفاق ولا يؤمن بلهفة الشوق القاتلة ولا يفي بوعد ، فهل أصبح الحب كالسياسة !!؟ دار الحديث فيما بيننا، بدأ يحدثني وبقدر الحرارة التي يحدثني بها كنت استمع ، ولسان حاله يقول بث أسرارك للغريب فيرحل وترحل معه. ذات ليلة بل كل ليلة كما قال كنت أبحث عنها ، أفتش بين النجوم لعلى أحظى بها كنت أظن ذلك لكن في الحقيقة لم أكن المحظوظ أنا بل كنت الفريسة.
 
ذات مساء شتوي التقيتها على الرصيف ترتجف تحاول أن تعبر إلى الجهة الأخرى، كانت مرتبكة وكأنها أضاعت شيء ثمين ،زحام المارة حال بينها وبين العبور بل ربما الخوف من العبور نفسه، استوقفتها أو بالأحرى استوقفتنى سائلة عن شيء ما وهو لاشيء فقط تريد من يسندها للعبور! عبرنا سويا، حتى وصلنا الجهة المقابلة الأكثر أمانا والأقل زحاما ،أهديتها معطفى فذهب معها ومعه ذهبت ، سكلت طريقا كنت أظنه سهل، بالفعل كان يبدو كذلك ، كانت شتلات الورود تحيطه من كل جانب لم أر الأشواك التى تخفيها تلك الورود، لم ألمس رائحة الغدر في تلك اليد التى لطالما شممت فيها رائحة عطري المفضل ، لم أفرق بين الابتسامة الساحرة والماكرة ، كنت أظن أنها الطريق الذي يقودني إلى قصر السعادة، نعم كنت سعيدا مرتاح البال ولكني ربما طمعت في ماليس لى،سلكت الطريق بسعادة حسدني البعض عليها ونصحنى البعض بأن خلف كل سعادة مفاجئة ألم لا ينضب وجرح لا يلتئم، تجاهلت ومضيت في طريقى ،التقيتها والتقتني والتقتني والتقيتها ،تحدثنا طويلا وكثيرا جدا جدا ، طفنا العالم، شهدنا اليوم العالمي للقهوة في استرليا شربنا قهوة "فلات وايت Flat White، والتى يعود ابتكارها الى الثمانينات، حيث يستطيع المباشر رسم ما تريد على سطحها وكثيرا ما يتناولها الأحباب ، فقد يرسم على سطح القهوة قلبا أو وردة يرتشفها الأحباب قبل القهوة ، شهدنا فعاليات الرياض انتابتنا الغرابة والانبهار معا على الانفتاح السريع الذي لم يشهد له التاريخ مثيل لشعب محافظ أعتبر وجهة للعباد والنساك فقط وهاهواليوم أصبح أيضا وجهة للسائحين "رائع عند شلالات نياجيرا بكندا وفى المكان الذي تم فيه تصويرالفلم الشهير (قراصنة كاريبي: في نهاية العالم)احتفلنا بعيد الحب وأهديتها قلبا يشع بالحب ويزخر بالوفاء ، ودعنا البهجة فى طرف من العالم واستقبلنا البؤس في طرفه الآخر.. الأطفال غيرالأطفال والناس غير الناس والبشر هنا غير البشر هناك، المرض متفشى في كل زوايا المدينة ، الجوع أغرز مخالبه والمرض أفترسهم، طفل هنا لم يبلغ الحلم بعد يحمل سلاحا بالكاد يستطيع حمله يقف منتصبا على مطب اسمنتي بجانب برميل وضع عليه خرقة من علم ترفرف منهكة كأنها تستعطف الناظر إليها أن أنقذني ، حتى هي ترفرف أسيرة ، قال له أحد الركاب من كبار السن :أي بني هذا ليس مكانك، مكانك المدرسة ، رد عليه الطفل وهو قابض على زناد سلاحه بنبرة إستعلاء"اطلع ياحاج " الكبر كبر العقل وليس العمر". صد ق الطفل ولكنه لو يعقل أنه من حملة الأقلام والكتب لا السلاح والرصاص.
 
أي جيل ستولده الحروب وتنشئه؟ جيل مؤلدج دموي لا يعرف لغة للتخاطب إلا الأعيرة النارية ".
 
هناك في منتصف الشارع جلست أم لثلاثة أطفال وقد فرشت قطعة من قماش تستجدي المارة لعلهم يمنون عليها بما يستطيعون لإطعام أبناءها فلا معيل لهم غيرها كما قالت فقد خطفت رصاصة طائشة زوجها واقتيد ابنها الأكبرالبالغ من العمر اثنا عشر عاما إلى ساحات القتال وأعيد خَبَرا ولم يعد جثمانه ، لم تحظ تلك الأم بوداع ابنها الأخير، لم تر حتى قطعة من جسده بل سلموها سلسلة حديدية من أرقام كانت في يده .
 
في مدخل الحي يجلس شيخا كهلا متكئا على متكئ من حجر ويرتدي مشدة تحاكى الزمن وتختصرالتاريخ ..اقتربنا منه،إنه ليس بغريب، فلطالما علقت صورته في شوارع المدينه فيده ممدودة بالخير قال لنا أحدالساكنين هذا فلان التاجر بعدأن نهبت بعض أملاكه وأحرقت المقذوفات البعض الآخر . لقد أصبح العزيز ذليلا هده الاكتئاب وسوء حال آل إليه ، والغنى أصبح فقيرا متعففا يموت ببطئ.. في الجهة المقابلة للكهل العجوز تطل امرأة يظهر عليها الإعياء والسهر ومرض الإنتظار ، نعم إنه من أشد أنواع الأمراض ، إنه يذهب الشهية ويسرق النوم ويهزل الجسم ، تلك المرأة تطل بين الفينة والأخرى من شرفة المنزل منتظرة ابنها الوحيد الذى ذهب ولم يعد، ذات يوم جائها خبر أن ولدها قتل فشقت ثوبها ولطمت خدها ولعنت قادة الحرب ومن أشعلها فما أن كاد الحزن يخفت في قلبها،حتى أخبروها أن شبيها لولدها فاقد الوعي ممتد على أحد الأسرة في مستشفى الثورة ..هكذا ظلت على هذا الحال تقف على عتبة الانتظار وشرفة الرجاء بينما أبناء البسطاءفي الجبهات باسم الشعب يدافعون عن مكانة تجار الحروب ويدفعون من دمهم فواتيرها،تجد ربان الحروب يتنعمون فى فللهم ويتجولون في سياراتهم الحديثه ويرسلون أبناءهم إلى دول البهجة والسرور يتنعمون ويدرسون حتى إذا ماعادوا عادوا حاكمين وللاستبداد وارثين وبما أن الثورات يخطط لها المفكرون ويلتهموها الانتهازيون ويكون ضحيتها الأوفياء للوطن من أهل البسالة والشجاعة، فإن الحروب يخطط لها الأشرار ووحدهم المستفيدون ويروح ضحيتها المفكرون أولا ثم عامة الشعب الكادح . هالنا مارأيناه وسمعناه وعايشناه،وعلى الفور نصبنا المحاكم، رمينا الطغاة الذين أخرجونا من بلداننا خلف القضبان بمحاكمة عادلة أزحنا المفسدين والمرتشين، أقمنا العدل ساعات وقبل أن نغادر الطاولة التى اعتدنا الجلوس عليها في كل لقاء يجمعنا وضعنا أسس الوحدة العربية لأجيال قادمة،جمعنا كل القلوب التى أحبت ومن حينها وكأن الصدف خلقت لنا فقط، كتبت فيها القصيد وكنت أخفيه . كتبت حبنا على وسادتها ونثرته فوق دفاتر مذكراتها،وخيل إليها أنها أخفته ولكن كنت أقرأه في عينيها،حتى أن عطرها كان يخبرني أنها تحبني وأحاول أن أتجاهل فما استطعت لقد كانت أكثر مكرا في الحب وذكاء ومراوغة،حدثتها ذات جلسة أنها كل شيء بالنسبة لى دون استثناء، أنا تائه كالسامري بدونك أردد لاحياة لا حياة ، باغتها بسؤالي
من أنا في حياتك ؟
 
أجابت قصة عابرة مررت بها وأختتمت آخر فصولها، ثم ذهبت مخلفة وراءها جروح لا تندمل وعيون لاتجف لقد كنت النور لروحها المعتمة، وكانت الظلمة لروحى المتلألأة ، ليتها ذهبت بصمت فتقتلني مرة واحدة لكنها قتلتني حينما رحلت وقتلتني حينما اكتشفت أنني أضعت عمرا خلفها يطارد سرابا. 
 

المزيد من د. مناع السعيدي