الثلاثاء 2020/02/25 الساعة 12:23 AM

مدينة تأبى التمدُّن!!

السبت, 28 ديسمبر, 2019

في مدينة الضالع لا مندوحة لدى خطيب الجُمعة إذا ما فاضت مياه القذارة الى بوابة الجامع، او صعدت الرائحة الكريهة الى انفيه في المنبر ؛ لكنه على استعداد لأن يلقي مليون موعظة وخطبة ؛ عن خطايا متابعة مونديال كأس العالم او حرمة الدراما والموسيقى أو جريرة المنظمات الإنسانية وشبهة الاختلاط في المستشفيات والأسواق .
 
في كل بقاع الدنيا، المدينة ، دلالة ومعنى للتمدُّن والتحضُّر، باستثناء الضالع التي تأبى التمدُّن والتحضُّر، كما وترفض وبعنجهية كي تكون قرية ريفية .
 
فلأول مرة اجدني ازاء حالة غريبة وشاذة ، صورة تشبه ذينك الغراب الذي ظن خطاءً انه بمقدوره ان يصير حمامة . اجهد ذاته بتبديل لونه الأسود، وفي المنتهى صار كائنًا غريبًا ومنبوذًا ،فلا الحَمام انطلت عليها خدعته وألفته أو الغربان قبلته ..
 
نعيش في مكب قمامة كبير ، وننام وسط فيضانات مياه الصرف الصحي، ولدرجة اننا صرنا نتأذى من الفن والجمال والموسيقى والغناء والسينماء والتسامح وسواها من مفردات عصرية وإنسانية ؛ فباستثناء الموت والدم والقتل والبارود والملاريا والكوليرا والسكتة الدماغية ، لا شيء ذو أهمية أو يستحق اهتمامنا ..
 
مدينة تقطنها الاشباح وتتكاثر فيها العصابات والبعوض والذباب والسلاح والخراب ،وتشيع بها رائحة الدم والعفن ،ويتسيد فيها الجهل والتطرف والغلو والبغض ..
 
في بيئة كهذه، كأنك اشبه بذاك الذي يهدر وقته بمحاولة اقناع ذبابة بأن رائحة الورد اجمل وانقى من رائحة العفن ؛ كذلك هو حالنا مع النتانة والدمامة، فلا معنى للجمال هنا ، وإن زرعت الارض زهراً او بنيت قصوراً للجمال والفن..
 
أحد الاصدقاء سألني مندهشًا : لماذا رصاصة كلاشينكوف تهدر روح فنان شاب ذنبه أنه أراد رسم البهجة في محيأ ونفس أطفال وامهات اضناهم الحزن ، ونحت في وجدانهم البؤس والكآبة ؟ .
 
زميل صحافي قال لي محبطًا : إنَّني وبمضي الزمن صرتُ مذعورًا من هول ما أراه واعيشه ،فبدلًا من ان اتحضَّر واتمدَّن، اخذتني السنون بعيدًا ، وهانذا افيق على كيان انسان متخلف وجاهل وقروي متعصب أو هكذا " ..
 
اصدقكم أنني والى اللحظة عاجز عن فهم ما حدث للفنان الشاب قبل عامين تقريبًا . كما ولا اجد تفسيراً أو مبرراً لذاك التحريض الطائش المستهتر المجنون الذي نال اليوم منظمات إنسانية ذنبها إيصال المساعدات إلى الفقراء والمحتاجين والنازحين والمرضى والأطفال والنساء وسواهم من الفئات المجتمعية المستفيدة .
 
وصدق الشاعر إيليا ابو ماضي حين قال :
والذي نفسه بغير جمال
لا يرى في الوجود شيئًا جميلاً .
ان شر الجناة في الارض نفس
تتوخى قبل الرحيل الرحيلا .
وترى الشوك في الورود وتعمى
ان ترى فوقها الندى اكليلا .
أيا هذا الشاكي وما بك داء
كن جميلا تر الوجود جميل ..

المزيد من محمد علي محسن