الجمعة 2020/09/25 الساعة 07:06 AM
آخر الأخبار
المهرة : الجزع والسلام ينهيان الجولة الأولى من الدوري التصنيفي بالتعادل الإيجابي الحكومة ترد بالأرقام على تهديدات السلطة المحلية بحضرموت بوقف تصدير النفط المهرة : الوكيل الجعفري يناقش مع مديرالغيضة القضايا المتعلقة بمشاريع الخدمات العامة وآليات تحقيق الأمن المهرة : الوكيل الجعفري يتسلّم نسخة من العدد الثاني من مجلة "ذهيت" ويشيد بدور الإدارة العامة لتنمية المرأة عدن : مليشيا الإنتقالي تختطف مدير أحواض معالجة مياة الصرف الصحي الحضرمي يحمل ميليشيا الحوثي مسئولية الكارثة الإنسانية التي تعيشها اليمن رئيس الجمهورية يدعو لاستنفار دولي لمساندة اليمن واليمنيين وإنهاء انقلاب الحوثي وقضية صافر عرض كرنفالي في شوارع مدينة مأرب احتفاء بثورتي سبتمبر وأكتوبر رئيس الوزراء المكلف يستقبل ممثلي مؤتمر حضرموت الجامع لاستكمال مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة محافظ شبوة يوقع عقود سفلتة شوارع مدينة عزان والمدخل الشرقي لمدينة نصاب وشق عقبة مالح ببيحان

التظلُّم باسم "الزيدية" والتظلُّم ضدها في اليمن الجمهوري

الإثنين, 24 أغسطس, 2020

قبل سيطرتهم على العاصمة صنعاء في 21 سبتمبر 2014، كان لدى الحوثيين روايتهم الخاصة عن تهميش قالوا إنه استهدف المذهب الزيدي طوال المرحلة الجمهورية، وعن إقصاء وظلم قالوا إنه لحق بشريحة "السادة" التي تتألَّف من عائلات تعتقد بالانتساب إلى فاطمة إبنة النبي محمد وزوجها علي بن أبي طالب.

وبصرف النظر عن وجاهة ومغزى هذا التظلُّم، إلا أن الحوثيين لم يكن لديهم فكرة واضحة عن الوضعية الممكنة التي يتحقَّق فيها الإنصاف للمذهب الزيدي ولفئة "السادة" في الإطار الوطني، دون أن تكون هذه الوضعية هي إعادة نظام "الإمامة" بأي شكل من الأشكال. وقد ثبتَ لاحقاً بالتجربة أن إعادة الإمامة هو الإنصاف الوحيد المقبول للمذهب الزيدي كما يفهمونه.

في مقابل التظلُّم الذي رفعه الحوثيين انطلاقاً من صعدة ضد الدولة الجمهورية المركزية، كان هناك تظلُّم آخر مرفوع ضد نفس الدولة، يتحدث فيه أصحابه عن هيمنة تمارسها "الزيدية الجغرافية" على مفاصل الدولة ومنابع القوة فيها وذلك على حساب كل من ليسوا زيوداً بالمفهوم الجغرافي. وكان يتحجَّج هؤلاء بأن رؤساء الجمهورية وقادة الجيش في الشمال، قبل الوحدة مع الجنوب، كانوا كلهم "زيوداً" بهذا المعنى. وبعد الوحدة، كانوا ينظرون إلى رئيس اليمن الجمهوري الموحَّد بوصفه زيدياً بالمعنى الجغرافي نفسه الذي جرى تمريره لاحقاً في صيغة اعتراض مموَّهة لكن مشحونة بالازدراء والنقمة خلافاً لما يوحي به ظاهرها: "المركز المقدَّس".

وبمراجعة أحداث الأعوام السابقة لثورة 2011، يتبيَّن لنا بوضوح كيف أن الدولة الجمهورية المركزية في صنعاء كانت تواجه ضغط من نوعين من التظلُّم والرفض: أحدهما هو الذي كان يجعل من عدم "تَمَزْيُدها"، أي عدم كونها دولة زيدية، مذهبياً وسياسياً، حُجَّةً عليها، وبالتالي سبباً للتمرد والقتال ضدها، وهذا الاتجاه كان يمثله الحوثيين. وثانيهما هو الذي كان يعتبرها، على العكس، دولة مختلَّة يهيمن عليها "الزيود"، وهي لهذا السبب تستحق الإطاحة بها، وهذا اتجاه كان يمثله طيف واسع من النخب اليسارية والقومية التي تنتمي جغرافياً ومذهبياً في الغالب إلى الجنوب والجنوب الغربي من اليمن.

الزيدية إذن كانت حاضرة في دعاوى الجانبين بطريقتين مختلفتين. الأمر الذي يستدعي إجراء تمييز ضروري بين ثلاثة أشكال من الزيدية أو ثلاثة مفاهيم:
1) الزيدية كطريقة للتديُّن على النطاق الفردي، أي الزيدية بوصفها مذهباً إسلامياً: نظام معرفي (لاهوتي) يدور حول العقائد والعبادات والأخلاق.

2) الزيدية السياسية، أو فلنقل الزيدية المؤسسية ممثلة في "الإمامة". الحوثيين ينتمون في الأصل إلى هذا الشكل من الزيدية، لكن هذا لا يمنع أنهم يعملون على تطوير نسختهم من "الزيدية السياسية" بما يستجيب للتغيرات والحقائق الجديدة التي طرأت على البلاد خلال أكثر من نصف قرن.

3) الزيدية كمسمَّى جغرافي واجتماعي بات يطلق على مرتفعات اليمن الشمالية، وهذا المسمى يشمل العاصمة صنعاء. ورغم قيام النظام الجمهوري في صنعاء، واختفاء الإمامة الزيدية لمدة 55 عاماً، ورغم موجات "التسنُّن" -التي سنتحدث عنها بعد قليل- في معاقل الزيدية، ورغم أن الخط الإمامي الزيدي كان يرى في النظام الحاكم في صنعاء، قبل 2011، عدوَاً للمذهب الزيدي، إلّا أن التسمية المذهبية ظلَّت، في وعي الكثير من المثقفين والحزبيين، قيد الاستعمال عند الإشارة إلى منطقة "اليمن الأعلى".

على أن القول بأن الزيديين يشكِّلون حالياً 40 % من سكان اليمن -وهي إحصائية يوردها بعض الباحثين الأجانب- لا يمكن أن يكون صحيحاً إلّا إذا كان المقصود بـ"الزيديين" جميع سكان المحافظات اليمنية الواقعة الآن في إطار ما يسمى بـ "المنطقة الزيدية"، وهو الحيز الجغرافي والاجتماعي الذي كان يخضع لحكم الأئمة الزيديين لفترة أطول من أيّ منطقة أخرى في اليمن. بيد أن هذا لا يعني أن سكان هذه المحافظات لا يزالون في الوقت الحالي جميعاً "زيديين" بالمعنى السياسي والديني الذي يحمله الحوثيين لكلمة "زيدية".

في أعقاب ثورة 1962، برَزتْ بقوة في أفق الجغرافيا الزيدية ظاهرة "التسنُّن" - التحول الطوعي الفردي إلى أحد مذاهب السُنَّة. غير أن "التسنُّن" بحد ذاته لم يكن غريباً تماماً على هذا النطاق من اليمن. فالتاريخ يسجِّل تحوّل عدد من الرموز الدينية الزيدية إلى أحد مذاهب السُنَّة أو الانفتاح عليها كلّها، ولم تكن تخلو مثل هذه التحوّلات من الدلالة السياسية والإصلاحية التي تعمل في أكثر من اتجاه. ويمكن أن تُعزَى هذه الخاصية إلى المذهب الزيدي نفسه، وقد تُعزَى إلى طبيعة يمتاز بها المجتمع في المنطقة العليا بسبب تأثيرات الجغرافيا والمناخ.

ما يهمنا الآن هو أنه بعد ثورة 26 سبتمبر 1962، كان "التسنُّن" يبدو أحياناً وكأنه طريقة أخرى للتعبير عن التناقض الوطني الجمهوري مع دولة الإمامة الزيدية. هذا الموقف يمكن إعادته جزئياً إلى الإصرار الذي كانت تبديه الطبقة العلوية الفاطمية على ربط مصير الزيدية كمذهب، بالزيدية كدولة قائمة على مبدأ الإمامة والحق الإلهي!

عن هذا النوع من "التسنُّن"، أشار الشاعر اليمني الكبير عبدالعزيز المقالح، وهو من المشاركين في تلك الثورة، في كتابه "قراءة في فكر المعتزلة والزيدية" بالقول: "وقد ساعدت الكراهية للنظام الإمامي الملكي على تمكين الاعتقاد بأن الزيدية -كما كان يقال- ما هي إلا مذهب الأئمة الحاكمين بأمرهم. وأن من يؤدي فرائضه الدينية في إطار تعاليم ذلك المذهب فكأنه لا يعبد الله وإنما يعبد الإمام والسلطة الحاكمة".

لكن في ظل النظام الذي أقامته ثورة 1962، لم يكن هناك تحفُّظ رسمي أو حظر قانوني للتقاليد الدينية الروحانية للمذهب الزيدي، ولم يكن هناك بالطبع حظراً أو تمييزاً قانونياً ضد فئة "السادة".

بل إن من محاسن الجمهورية كإطار حديث للعمل الوطني، أنّها قَصَرتْ الصراع مع الزيدية فقط على مسألة الإمامة كنظام حكم، دون الخوض في المواضيع العقائدية والاختلافات الفقهية التي كانت تستخدم في عصور سابقة كأساس نظري للتناقض مع الدولة الزيدية.

وكانت الجمهورية تعني، في جانب منها، أن يتمتَّع المذهب الزيدي، الذي لا إمامة سياسية فيه، بالحق القانوني في الوجود على قدم المساواة مع بقية المذاهب. أما الإماميون الذين خسروا مراكزهم، فلم يكونوا مستعدين نهائياً للاعتراف بأن هذه الزيدية -المنزوعة الإمامة- هي زيدية حقاً. فمفهومهم عن الزيدية يجعلها مقترنة بالإمامة أو أنها ليست زيدية على الإطلاق، بل وليست إسلاماً، فالإمامة لديهم أصل من أصول الدين.

لكن وبما أن الارتباط كان عميقاً بين المذهب الزيدي ونظام الإمامة، فقد كان من الطبيعي في الحقبة الجمهورية أن يصبح كل نشاط سياسي، أو أيّ حراك اجتماعي منظَّم يتَّخذ من المذهب الزيدي خلفيّةً له، مثار شُبهة وارتياب، لأن نشاطاً كهذا سيكون له اتجاه واحد ينتهي عند الإمامة أو ما يماثلها.

ولم يكن من السهل في البداية إبعاد المذهب الزيدي كُلِّياً عن وصمة العار الوطنية التي لحقتْ بالإمامة في الخطاب التاريخي المؤسِّس للحُكم الجمهوري في صنعاء. فهذا ثمن كان على المذهب الزيدي أن يسدِّده كمذهب، قبل أن يستطيع التكيُّف مع الظروف الجديدة.

لكنه بقي مذهباً معترفاً به، ولم تختفِ معالمه في الحياة الدينية للمجتمع الزيدي، وإلى ما قبل احتلال الحوثيين للعاصمة، كان الأذان للصلوات الخمس الذي يُنقَل من الجامع الكبير عبر إذاعة صنعاء هو الأذان الزيدي المميَّز بعبارة "حيَّ على خير العمل"، بينما كان الأذان على المذهب السُّنّي يُنقَل عبر التلفزيون الحكومي. ولم يكن يهتم أحد بالهوية المذهبية للخطيب في صلاة الجمعة التي كانت تُبَثُّ في وسائل إعلام الدولة.

و"التسنُّن" لم يكن طريقاً إجبارياً، فقد سَلَك البعض مسالك أخرى كثيرة على مستوى التديّن والعيش يَغلُب عليها الحياد المذهبي. وكان بوسع المتمسِّك بزيديّته -مذهباً وثقافة- أن يندمج في الحياة السياسية الجمهورية بمجرد التظاهر على الأقل بمناهضة الحكم الملكي الإمامي.

وطوال الحقبة الجمهورية، كان للمذهب الزيدي مرجعياته وزعاماته الروحية المعروفة بتخصصها في علومه وأطروحاته. صحيح أنه لم يكن مذهباً مدلَّلاً من كل النواحي. لكنه كان يحظى بوضع قانوني سليم. وكان يمكن للمتعصبين لهذا المذهب والغيورين على ما يعتبرونها حقوقه الثقافية والمعنوية أن يحتجّوا، مثلاً، ضد استبعاد الآراء الفقهية الزيدية في نصوص المناهج الدراسية الحكومية، أو أن يحتجّوا ضد غَلَبة المنشئات التعليمية ذات الطابع السنُّي وخصوصاً في العقود الأخيرة من الحقبة الجمهورية، وأن يطالبوا بمنشئات ومراكز تُعنَى بتعليم أفكار وحقائق المذهب الزيدي في شعائر الدين والعبادات لمن يريد الالتحاق بها طوعاً.

لكن لم تكن هذه هي القضيَّة. فهم إذ يتحدثون عن المذهب الزيدي كانوا في أعماقهم يقصدون الإمامة التي قامت الجمهورية على الضد منها.

مع إقرار التعددية السياسية والحزبية، بعد اتفاقية الوحدة عام 1990، قام نخبة من قيادات التيار الزيدي الإمامي بتأسيس حزب الحق الذي شارك في أول انتخابات برلمانية عام 1993 وحصَدَ عدد ضئيل من المقاعد في البرلمان. وكان أحد الفائزين من حزب الحق بعضوية البرلمان حسين بدر الدين الحوثي الذي أصبح بعد ذلك بسنوات المؤسِّس الفعلي للحركة الحوثية. كانت تلك المحصِّلة الانتخابية مخيِّبة لآمال مؤسِّسي حزب الحق. أعاد فريق منهم تقييم التجربة، وتوصَّل إلى أن الطريق الديمقراطي لن يكون مربحاً. وبدأت تختمر في رؤوسهم بالتدريج فكرة الخروج المسلَّح على منهاج الأئمة الأسلاف.

ومضى حسين الحوثي في هذا المسار الخطير، بعد أن كان شريكاً مؤسِّساً في مجموعة مدنية زيدية كانت تُدعَى "الشباب المؤمن". واتخذ الرجل من منطقة مَرَّان في صعدة قاعدة لدعوته. وفي غضون سنوات قليلة تشكَّلتْ حوله بؤرة نشطة تجتذب مئات المريدين والأتباع. وسرعان ما أشاع نشاطه جوّاً من التوتر مع السلطات المحلية وقيادة المنطقة العسكرية الشمالية الغربية. عام 2004، تصاعد التوتر إلى اشتباك، واندلعت على إثر ذلك ما تُعرَف بحرب صعدة الأولى التي انتهت بمقتل حسين الحوثي على يد القوات الحكومية.

وبحكم أن صعدة كانت هي المسرح الأول الذي دارت فيه الحروب المؤسِّسة للحركة الحوثية (من 2004 إلى 2010)، فقد تطوَّعتْ النخبة السياسية المعارضة لنظام علي عبدالله صالح، بالترويج لمفهوم مضلَّل عن الصراع يقوم على تعريفه بدلالة المكان الذي يجري فيه، فأصبحتْ القضية هناك هي "قضية صعدة"، وفي التفاصيل كان يتم تقديم فكرة حقوقية عن القضية تخلو من أيّ مضمون سياسي أو تاريخي، والحوثيين يَظهرون هنا باعتبارهم مجرَّد أداة للإحتجاج الذي يعبِّرون فيه عن "مظلومية" سكان صعدة كمحافظة!

ثم تطوَّر التعريف لقضية صعدة عبر إضافة الأضرار المدمِّرة الناجمة عن الصراع المسلح بين القوات الحكومية وجماعة الحوثي، لتصبح جزءاً محوريّاً في متن القضية.

لم يعترض الحوثيين حينها على مفهوم كهذا. تركوه ينتشر دون تصويب. كانت الحاجة تقتضي تذويب أهدافهم السياسية والطائفية العابرة لحدود صعدة، ودمجها مؤقتاً مع مظلومية مناطقية مفترَضة تخصّ المجتمع المحلي في صعدة.

وقد توالت الأحداث على الساحة اليمنية، منذ 11 فبراير 2011، في سُلَّم متصاعد من الفوضى والإنهيار إلى أن أطبق الحوثيون سيطرتهم على عاصمة الدولة ومركزها عام 2014.

وهكذا، فالجمهورية لم تكن مشروطة حتماً بتقويض وجود المذهب الزيدي في معاقله، سواء عن طريق نشر "التسنُّن" أو أي عقائد أخرى، إلّا أن المذهب الزيدي لم يكن قد اكتسب -وربما لا يستطيع أن يكتسب- قدرات ذاتية تمكنه من البقاء كمذهب بعد أن يفقد وظيفته التقليدية كقاعدة للشرعية في خدمة أكثر من سلالة علوية حاكمة على مدى أكثر من ألف عام. هذا القصور في بنيان المذهب الزيدي من شأنه أن يساعد أيضاً في فهم ظاهرة انتقال أتباعه إلى مذاهب أخرى بمجرَّد أن تختفي دولته. أي أن "التسنُّن" في هذه الحالة يكون بمثابة نتيجة غير مقصودة من نتائج سقوط حكم الإمامة.

لكن هناك نوع من "التسنُّن" لم يكن للعوامل السياسية دور مباشر فيه، فقد "تَسنَّن" عدد كبير من سكان المنطقة الزيدية كنتيجة عَرَضِيَّة للهجرة إلى المملكة العربية السعودية ودول الخليج من أجل العمل وكسب الرزق في بلدان الطفرة النفطية، إذ يحدث هناك انتقال هادىء للفرد من الزيدية بالولادة، أي من الزيدية غير الواعية، إلى شكل من "التسنُّن" الواعي، في الصلوات والعبادات الفردية، وذلك بفعل العيش في السعودية لسنوات ضمن بيئة اجتماعية "سُنِّية"، دون أن يكون لهذا الانتقال مغزى سياسي من أيّ نوع. وإنّه من اليسير على الزيدي بالولادة تحقيق انتقال كهذا ببساطة، وربما يعود هذا اليُسر إلى ما يقوله بعض الدارسين من أن الهوَّة ليست سحيقة بين تعاليم المذهب الزيدي -إذا استثنيا منها الإمامة- وتعاليم المذاهب السنِّيّة الأربعة. فهو لا يشبه، مثلاً، الانتقال من مذهب الشيعة الجعفرية، المنتشر في العراق وإيران ولبنان والبحرين، إلى المذهب السُنِّي الحنبلي السائد في السعودية.

وهناك أخيراً "التسنُّن" الذي يُرجعه الحوثيون إلى مؤامرة سعودية (وهابية) للقضاء على المذهب الزيدي عبر تمويل ورعاية مراكز "سلفيّة" في صعدة وصنعاء وذمار وعمران وحجة، وهي المناطق التي تُعدُّ بالنسبة للحوثيين معاقلاً ثابتة للزيدية بوصفها أرضية دينية تقوم عليها إمامة وسيادة العلويين من ذرِّية الحَسَن والحُسين.

والحقيقة أن النشاط السَّلفي لم يزدهر في اليمن بشكل عام، وفي "المنطقة الزيدية" بشكل خاص، إلّا بعد سنوات طويلة من سقوط الركيزة السياسية للزيدية ممثلة في الإمامة، وبهذا كان المذهب الزيدي، في ظل النظام الجمهوري الجديد، قد خسر امتيازه الخاص كمذهب للدولة وقاعدة لشرعيتها، لكنه، كما أشرنا، احتفظ بحقه في البقاء جنباً إلى جنب مع بقية المذاهب الإسلامية المنتشرة في البلاد.

ومن المعروف أن العقيدة السلفية (الوهابية) لم تكن أبداً هي القوة المعنوية والروحية الدافعة في العمل الثوري الذي أطاح بالإمامة الزيدية عام 1962. لقد كان الثوار الجمهوريون يعتنقون خليطاً فريداً من أفكار وقناعات قومية تحررية، ناصرية وبعثية وماركسية، إضافة إلى أنماط دينية إصلاحية توفيقية أو متجرِّدة من كل ملمح مذهبي، في حين كانت الدولة السعودية "الوهابية" تقاتل، في ذلك الوقت، بكل طاقتها لإعادة الإمامة الزيدية إلى عرشها.

لا توجد إحصائية عن حجم انتشار "التسنُّن" في ما تُعرَف بـ "المنطقة الزيدية"، لكن، على مدى العقود الخمسة الماضية، كان من السهل دائماً ملاحظة هذا التحول في صور متنوعة من الحياة.

وإنه ليكفي أن نعرف مثلاً أن الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح، ورغم أنه يُصنَّف زيدياً إذا كانت الزيدية تعني فقط منطقة جغرافية، كان يمارس شخصياً مظاهر التديّن السُنِّي، وأثناء فترة حكمه تكاثرتْ شبكات ومراكز التعليم الديني التي تدرِّس المذاهب السنِّية في عموم اليمن بما في ذلك "المنطقة الزيدية". بل إن كثير من القيادات العليا الحالية لحزب الإصلاح "السُنِّي"، هم أيضاً "زيود" بالمعنى المناطقي الجغرافي، لكنهم "سُنَّة" من الناحية المذهبية (على سبيل المثال محمد اليدومي، عبدالوهاب الآنسي، حميد الأحمر...إلخ). وكذلك نائب رئيس الجمهورية في الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً الجنرال علي محسن الأحمر، فهو "زيدي" من الناحية الجغرافية، لكنه "سُنِّي" من الناحية المذهبية. والأمثلة لا تحصى في هذا الجانب. فالتعدُّد المذهبي في المنطقة العليا من اليمن يتجلى بكثرة حتى على مستوى العائلة الواحدة.

ومع ذلك، فإن "التسنُّن" الذي ينطوي في ذاته على موقف واعٍ من الإمامة الزيدية كنظام حكم، هو وحده المتغيِّر الذي يمكن أن يُحسَب له حساب من الزاوية التاريخية. أما أنماط "التسنُّن" الأخرى ذات الطابع الروحي الخالص، فتأثيرها في مسار الأحداث يكاد يكون معدوماً. ويلعب التجمع اليمني للإصلاح اليوم دور الأداة التنظيمية لأكبر عدد من المنتمين، في المنطقة العليا من البلاد، إلى نوع من "التسنُّن" الذي يتَّسم بطبيعة سياسية لا تحتمل التعايش بسلام مع "الزيدية السياسية" بالذات، وليس مع الزيدية بمطلق الأحوال. بينما كان حزب المؤتمر الشعبي العام يمثّل في هذه المنطقة، إلى حدّ كبير، مساحة مشتركة يلتقي فيها "التسنُّن" و"التّمَزْيُد" الشخصيان اللاسياسيان.

المفارقة الغريبة أن الحوثيين تمكّنوا من السيطرة العسكرية على "الجغرافيا الزيدية" -بل والتوسّع إلى خارجها- بالسهولة المعهودة التي كان يتمدَّد بها الأئمة الزيديين، تاريخياً، قبل الجمهورية وقبل موجات "التسنُّن" وقبل النشاط السلفي المنظَّم. وهو ما قد يشير إلى أن "التسنُّن"، كمتغير ديني مذهبي في بنية مجتمع المنطقة العليا من اليمن، كان يقف عاجزاً عن أن يشكِّل قوة سياسية وعسكرية رادعة في طريق الموجة الجديدة من الزيدية الإمامية أثناء زحفها من صعدة.

وربما يشير ذلك إلى أن العامل المذهبي ليس له التأثير الحاسم الذي كنا نتصوَّر في تقرير الوقائع والأقدار التاريخية.

ويمكن للحوثيين ولخصومهم على حدٍّ سواء، أن يستخلصوا من هذا درساً مهمّاً مفاده أن رهاناتهم السياسية المرتفعة على العامل الديني المذهبي بمفرده، هي رهانات هشَّة وخاسرة. فقد سقط حُكم الإمامة في ستينات القرن الماضي عندما كانت صعدة لا تزال زيدية صافية، ليس فيها مركزي دمَّاج وكِتاف السلفيَّين، ولا فروع محلية لحزب الإصلاح، ثمّ استعادتْ الإمامة الحوثية صعدة بالقوة بعد 55 عاماً، رغم وجود السلفيِّين في صعدة، ورغم وجود فروع محلية لحزب الإصلاح. ومهما أَحْدَثَ الحوثيون من تغييرات مذهبية استردادية في المنطقة العليا، فإن ذلك لن يكون حصانة لحُكمهم من الزوال ذات يوم عندما يستوفي الزوال شروطه.

• نقلا عن المصدر أونلاين

المزيد من أيمن الكاتب